خطورة “التلوث الإشعاعي” بالمستشفيات

الدكتور عبد الحميد مكاوي

عندما يذهب أحد مسرعا إلى الطبيب بعد حادثة من أجل فحص سلامة العظام، أو عندما يأخذ صورة لأسنانه عند الجراح المختص، أو عندما يستعمل المواد المشعة للتداوي من الأورام السرطانية، أو حتى عند الوقوف لبعض الوقت للمراقبة الأمنية عندما يمر بالسكانير في المطارات…، هي بلا شك وسيلة ناجعة لتشخيص بعض الأمراض ولمعرفة حالة الجسم، كما هو الحال في الكشف عن تدرن رئوي، أو نخر في سن، أو كسر في عظم، أو لاستكشاف جسم غريب داخل جسم الإنسان أو اكتشاف مواد محظور نقلها عبر الطائرة، فهذا كله يبدو عاديا جدا ومقبولا، ويدخل في إطار الروتين، غير أنه يعرض المستعملين للأشعة المؤينة (rayonnements ionisants).

هذه الأشعة التي لا تؤذي طالما لم نسرف في استعمالها وعملنا على تقنينها وضبط طرق التعامل معها. لكن وللأسف الشديد نلاحظ ضعف إن لم نقل غياب سياسة واضحة وزجرية لمراقبة مراكز الأشعة من لدن المركز الوطني للحماية من الأشعة (CNRP) والذي يتوفر على كفاءات عالية التكوين، وتابع لوزارة الصحة ببلادنا، للتعامل المهني مع هذه الظاهرة، فنجد مستشفياتنا ومصحاتنا لا تكترث لاستعمالها عن قصد أو عن غير قصد، فكم من مريض تعرض للإشعاع عدة مرات متتالية في فترة قصيرة، دون أن يسأل عن كميات الجرعات التي سبق أن تناولها.

وكم من مرافق مريض تعرض بطريقة غير مباشرة للإشعاع، وكم من صاحب سيارة أجرة حمل بجانبه مريضا خرج لتوه بعد تناوله الأيود-131 (I-131) وكم من مريض أخذ أبناءه بالأحضان ونسبة إشعاع التيكنوسيوم 99 (Tc-99m) لم تنخفض بعد في جسمه.

وأطرح هنا مثالا بسيطا وملموسا حول عدد من المستشفيات العمومية وحتى الخاصة ببلادنا، حيث يتعرض المريض لجرعة من التيكنوسيوم بمناسبة استعمال الأشعة الوميضية، أو ما يسمى سانتيكرافي (scintigraphie).. أتعلمون أين يقضى المريض الثلاث ساعات في انتظار الفحص؟ سأجيبكم ببساطة: يقضيها بجانب الأصحاء والأطفال والحوامل بمقهى أو قاعات غير مراقبة بعين المكان. هذا ليس إلا مثالا واحدا، ولا يتعلق بمستشفى بعينيه، بل هو حالة تكاد تكون عامة بمستشفياتنا ومصحاتنا…

كثيرا ما رأينا تجاوزات خطيرة من الساهرين على أقسام الأشعة، فتدابير حماية الإنسان وبيئته من الآثار الضارة للإشعاع المؤين والمعروفة عالميا، يتجاهلها القائمون على هذه الأقسام المهمة والخطيرة في الوقت نفسه، فكثيرة هي القصص التي تحكى في هذا الشأن، وسأكتفي بسرد ثلاثة منها للاستئناس ليس إلا:

سقط طفل أرضا فأخذه أبوه على وجه السرعة إلى الطبيب من أجل التشخيص، أخذت صورة لكتف الطفل، وبعد مدة وجيزة من أخذ الصورة بالأشعة السينية (إكس=X) عاد التقني المكلف بالتصوير ليطلب من أب الطفل أخذ صورة ثانية لكتف الطفل لأن الصورة الأولى لم تكن جيدة، لأن الطفل تحرك من الموضع الصحيح. وعندما غضب الأب من ذلك الفعل، وخوفا من دفع ثمن الصورة مضاعفا، ذهب شاكياً إلى الطبيب الذي طلب تلك الصورة، فلما رآها كان رده: لا يهم! ستكون الصورة الثانية مجانا، كأن النقود أهم من تأثيرات الإشعاع الذي سيتعرض له المسكين ثانية.

ولكم قصة أخرى وقعت بقسم الطب النووي بمستشفى بالرباط كما حكاها لي أحد الخبراء في الحماية من الأشعة، لما كانت القناة الثانية تجري روبورتاجا عن هذا القسم في أواخر التسعينات، واختير أحد التقنيين من القسم للتعليق، فكان أن قال: “الحمد لله اللي اعطاونا هاد dosimètre باش إيقينا من الأشعة”.. سبحان الله، كأن الجهاز يقوم بامتصاص الأشعة عوض العمل على إعطاء بيانات من أجل قياس الجرعة الممتصة (dose absorbée) والجرعة المكافئة (dose équivalente).

وحتى لا أتكلم بلغة “يحكى” فقد قال لي تقني الأشعة مؤخرا إنه بإمكاني الوقوف إلى جانب ابني إن أردت ذلك، وهو ابن العاشرة من عمره، عندما أراد أن يأخذ له صورة بالأشعة بإحدى مصحات العظام بالرباط، ولكم أن تتصوروا الهيستيريا التي انتابتني…

هذا هو حال كثير من التقنيين العاملين بمراكزنا الاستشفائية. أنا لا أتهم جميع الأطباء والعاملين بالقطاع، ولكن هناك فعلا في بلادنا من لا يهمهم الأمر، طالما هم بعيدون عن غرفة الأشعة، والتقني المغلوب على أمره يقوم بالمهمة، والدراهم تأخذ طريقها للجيوب، في غياب تام للضمير المهني، ضاربين بذلك المبادئ الأساسية الثلاثة للحماية من الإشعاع، وهي التبرير (justification) والترشيد (optimisation) والحد (limitation)، وعوامل ضبط الكمية، والمتمثلة في الزمن والمسافة والحائل (écran) كما هو متعارف عليها دوليا.

لذا ارتأيت أن أعرف أو أذكر بماهية هذه الأشعة، مصادرها، أنواع التعرض، وكذا تأثيراتها على الصحة، لعل لاهيا يسمعها فيتعظ أو غافلا يُنصت إليها فينزجر كما يقول عبد الفتاح الفريسي في برنامجه سلوة الأنفاس.

ما هي الأشعة المؤينة؟

اكتشفت ظاهرة النشاط الإشعاعي عام 1896 عن طريق العالم الفرنسي هنري بيكوريل، الذي كان مهتما بالأشعة السينية، ووضع بيكوريال فيلما فوتوغرافيا بجانب معدن اليورانيوم في خزانة مظلمة، وتركه لمدة أربعة أيام، وبعد أن قام بتظهير الفلم لاحظ تكون صورة عليه، واستخلص أن اليورانيوم قام بإطلاق أشعة غير مرئية أثرت عليه.

الإشعاع المؤين هو نوع من الطاقة المنطلقة من الذرات في شكل موجات كهرومغناطيسية طبيعية (غاما) أو مصنعة (إكس) أو جزيئات (النيوترونات وبيتا زائد أو ناقص وألفا (نواة ذرة الهيليوم)) والنشاط الإشعاعي المنتج هو انبعاث للطاقة الناتج عن التحلل التلقائي لنوعية من الذرات تعمل على تأيين الوسط الذي تمر فيه بسبب اصطدام الشعاع بذرات الوسط، سواء كان صلبا أو سائلا أو غازيا، مما يؤدي إلى طرد بعض إلكترونات الذرات وتكون الأيونات في الوسط.

ولقياس هذا الإشعاع يستعمل البيكريل، والذي يعادل تحلل واحد بالدقيقة، وفي المجال الطبي تستعمل وحدة السيلفر ((sievert) La dose efficace) والتي تقيس التأثيرات البيولوجية للجسم الذي تعرض للأشعة؛ فيما يستعمل الكري (la dose absorbée (gray)) لقياس الجرعة الممتصة من قبل الجسم.

مصادر الإشعاع

يتعرض الإنسان يوميا للإشعاع المؤين من أكثر من 60 مصدر طبيعي، والذي يوجد بالتربة والهواء والماء. فغاز الرادون مثلا وهو غاز طبيعي، يخرج من الصخور والتربة، يعتبر مصدرا رئيسيا للإشعاع الطبيعي، لذا ينصح بتهوية القبو والبنايات التحت-أرضية لأنه يستطيع التسلل بين الكتل الخرسانية.

ويتعرض الإنسان أيضا للإشعاع الطبيعي الكوني الذي يأتي من مجرتنا درب التبانة أو من خارجها، ويأتي أساسا من الشمس، وانفجار النجوم (السوبرنوفا)، والنجوم النابضة أو ظواهر الكون البعيدة. عندما تصطدم الأشعة الكونية الأولية مع نواة من الغلاف الجوي، فإنها تنتج سلسلة من الجسيمات الثانوية. بعض الجزيئات الثانوية التي تنتج في الحزم الكونية تصل إلى مستوى سطح الأرض. وهكذا، يتكون مثلا الكربون 14 المشع من خلال تفاعل النيوترونات مع ذرة الأزوت من الهواء.

من خلال نظامنا الغذائي أو عن طريق التنفس نحن نستوعب العناصر المشعة التي تم إنتاجها من قبل الإشعاع الكوني. ونحن أنفسنا نشع إذ إن ما يقارب ثمانية آلاف ذرة من البوتاسيوم 40 والكربون 14 تتفكك في الثانية الواحدة في أجسامنا.

وهناك مصادر أخرى للإشعاع، والمتمثلة في المفاعلات النووية، وكذلك مختبرات إنتاج المواد المشعة التي تستخدم في المجال الطبي للتشخيص أو العلاج.

أنواع التعرض

التعرض للإشعاع يمكن أن يكون بصفة داخلية أو خارجية وبطرق مختلفة، فالتعرض الداخلي للإشعاع المؤين يحدث عندما يتم استنشاق النويدات المشعة (radionucléide) أو بلعها، أو تدخل بأي طريقة أخرى في عروق الدم (الحقن، والجروح). ويتوقف التعرض الداخلي عندما يتم القضاء على النويدات المشعة من الجسم، إما تلقائيا (من خلال الفضلات، أو التحلل) أو تحت تأثير العلاج.

يمكن أن يحدث تلوث خارجي عندما تكون المواد المشعة معلقة في الهواء (الغبار، السائل، الهباء الجوي (aérosols)) وعلى الجلد أو الملابس. هذا النوع من المواد المشعة يمكن التخلص منه عن طريق الغسل. التعرض للإشعاع الخارجي يمكن أن يحدث انطلاقا من أقسام الأشعة بالمستشفيات أو من خلال السكانير الذي يثبت لأغراض أمنية. ويتوقف هذا الإشعاع بمجرد الابتعاد عن هذه الأماكن.

التأثيرات على الصحة

لما تتجاوز كمية الإشعاع الممتصة من قبل الجسم عتبة معينة (1 سيفر)، ينتج عنه إتلافا للأنسجة وللأعضاء حسب الجرعة، حيث يسبب هذا في احمرار وحروق في الجلد، ويؤدي إلى سقوط الشعر، وإلى أمراض أخرى.

إذا كانت الجرعة منخفضة أو أخذت على فترات متعددة، هناك احتمال كبير أن الخلايا التالفة قادرة على إصلاح نفسها، ولكن إذا تكررت الجرعات العشوائية لفترة طويلة (effets stochastiques) قد يودي هذا إلى خلق تشوهات على مستوى الكروموزوم. ومع توالد الخلايا المشوهة ينتج عنه أمراض كالسرطان ولو بعد حين. والخطر أكبر عند الأطفال والمراهقين.. وقد تؤدي كمية تتجاوز 0.1 سيفر إلى تلف في دماغ الجنين.

وإليكم بعض المشاكل الصحية التي تترتب عن مختلف الجرعات، والتي يمكن أن تجدوها في بعض المصادر مختلفة قليلا عما سيأتي:

10000 مللي سيفر كجرعة قصيرة المدى تسبب مرضا فوريا يعقبه موت خلال أسابيع قليلة.

– من 2000-10000 مللي سيفر كجرعة قصيرة المدى تسبب مرضا إشعاعيا يكون مهلكاً على الأرجح؛ بينما 1000 مللي سيفر كجرعة طويلة المدى من المحتمل أن تسبب سرطانا قاتلا خلال عدة سنوات لخمس أشخاص من كل مائة يتعرضون لهذه الجرعة.

1000 مللي سيفر كجرعة قصيرة المدى من المحتمل أن تسبب مرضا مؤقتا، مثل الغثيان ونقص في عدد كرات الدم البيضاء تزداد حدته بزيادة الجرعة.

50 مللي سيفر/عام هي أقل معدل جرعة لا يوجد دليل على كونها تسبب السرطان. ويزداد احتمال الإصابة بالسرطان مع زيادة الجرعة.

– 20 مللي سيفر/عام خلال متوسط خمس سنوات هي الحد الموضوع للعمال في الصناعة النووية ومناجم اليورانيوم.

– 10 مللي سيفر/عام تعتبر معدل الجرعة النموذجية الممتصة بواسطة مناجم اليورانيوم في أستراليا وكندا.

– 3 مللي سيفر/عام تعتبر الخلفية الإشعاعية للمصادر الطبيعية في شمال أمريكا، وتشمل تقريباً 2 مللي سيفر/عام من غاز الرادون المشع الموجود في الهواء طبيعياً.

– 2 مللي سيفر/عام تعتبر الخلفية الإشعاعية للمصادر الطبيعية، وتشمل 0.7 مللي سيفر/عام من غاز الرادون في الهواء.

– 0،3-0،6 مللي سيفر/عام هي معدل الجرعة الإشعاعية النموذجية للمصادر الصناعية، وخصوصاً الطبية.

من أجل تفاصيل أكثر حول الكميات السنوية التي لا يجب تجاوزها سواء للعموم أو المهنيين أو المتدربين أو حتى أثناء الكوارث.

1 – معدل الجرعة الفعالة للمهنيين هو 20 مللي سيفر في السنة، ويؤخذ هذا المعدل لخمس سنوات متتابعة، بحيث لا تتجاوز الجرعة الكلية لهذه السنوات الخمس 100 مللي سيفر، وألا تزيد الجرعة في أي سنة واحدة من هذه السنوات عن خمسين مللي سيفر.

2 – الحد السنوي للجرعة المكافئة لعدسة العين هو 150 مللي سيفر، وفي الأطراف (اليدين والقدمين) والجلد هو 500 مللي سيفر.

3 – للطلبة والمتدربين الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والثامنة عشرة، والذين يتطلب تدريبهم استخدام المصادر المشعة، فإن الحد السنوي للجرعة الفعالة لهم هو 6 مللي سيفر، والحد السنوي للجرعة المكافئة لعدسة العين لهم هو 50 مللي سيفر، وللأطراف والجلد هو 150 مللي سيفر.

4 – لا يجوز تعرض الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن ستة عشر سنة تعرضاً مهنياً.

5 – للنساء الحوامل ينبغي ألا تتجاوز الجرعة 2 مللي سيفر على سطح البطن، وألا تتجاوز حدود الاندخال السنوي عن 1/20 من الحدود للعاملين الآخرين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *